رحيل ولد بدر الدين؛ الخسوف السرمدي.../ النانه الرشيد لبات

 

سيبكي اليوم الكادحون-ونحن معهم- رحيل مؤسس جبهة المرافعة عنهم، المأخوذ بأواجعهم وأحلامهم، وسيبكي الثوار اليوم-ونحن منهم- ثائرا فريدا، آمن حتى دقيقة عمره الأخيرة بالثورة القادرة على تحقيق العدالة، الجازمة بعث الأحرار على الدوام؛ عنقاء عملاقة تأبى الفناء. 
جسّدَ العميد ولد بدر الدين مبادئ وقيم سياسية نادرا ما يوفق إمرء في الثبات عليها، جعلها- أي القيم - تمشي بيننا على قدم، استطعنا نعت النخوة والحرية والوفاء والكرامة حين ننعته، واستطعنا وصف نصرة المظلوم والثبات عند تجاوز المتاريس والقيود المضروبة بتلك الطريق الشاقة، حين نذكره. 
رحيل البدر، تمثل فيه جسامة الخسارة أضعاف ألم الفاجعة، فموته ليس مجرد غياب مؤلم، أبدي لشخص محبوب لدى شعوب منطقته، إنه الخوف من كونه قد يكون آخر شرفاء العالم وأحراره، والرهبة من شعور فقدان بوصلة الهداية وتحطم منارة الاقتداء، فالأحرار يولدون وإن بعد غياب والرجعيون يتناسلون على الدوام لكن الأحرار بعكس خصومهم، يحتاجون دائما لمصابيح كبدر الدين؛ معلقة دائما كمشكاة لا يبهت نورها، باقية حتى النهاية، تلك المصابيح حصن الحرية، وترياق الثبات المحاط والهموم، المغمس في السموم . 
معرفة رجل كالراحل ولد بدر الدين وتقديسه واجب كل ثائرة وثائر ضد الظلم والخضوع والعبودية، لهذا لا يوجد صحراوي واحد يجهله، و بهذا لا يمكنني الحديث عن علاقتي به وفرص اللقاء الكثيرة الثمينة التي جمعتني به، فلم يكن بإمكاننا إلا معرفته عن قرب والتزود من مُثله وقيمه، وتقديم ولاء الشرف لثوريته المتقدة على مدار عمره، وإلا يبقى مسارنا النضالي العصيب منقوصا أهم صحائفه. 
لقد حاز الراحل محمد المصطفى ولد بدر الدين إجماعا جماهيريا ممتدا من واد نون حتى تمبكتو، على امتداد خارطة شعب البيظان الممزق المنكل به؛ تفرقة واستعمارا وحدودا وهمية، هذا الإجماع بالاحترام و التقدير قلما يحرزه رجل له من الخصوم في السياسة ما له من الأنصار فيها، إجماع بالنصاعة السياسية والنباهة الفكرية ووضوح الرؤية، لم تستطع أقوى آلات الشكيمة والوقيعة والتربص النيل منه، وإنه لعمري الخلود المنشود أو لا يكون. 
لقد فقد الشعب الموريتاني رجلا من تاريخه المشرف، علامة فارقة في مسار سياسي صاخب، بمد تأسيسه وجزر بنائه، وفَقد الشعب الصحراوي نصيرا وظهيرا لن يتكرر، ظل على عهده بنصرته منذ يوم العهد الأول حتى ساعة صعود الروح لبارئها؛ على مدار خمس عقود إلا قليلا وهو على مذبح الحرية رفقة الشعب الصحراوي المظلوم. فتعازينا لأنفسنا ولأشقائنا في موريتانيا، مع الاعتراف بأن الكلمات قاصرة عن انصاف البدر واللحاق بنوره المتصاعد نحو سماء الخلود وجنان الرحمن بإذن الله تعالى.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.